أبي طالب المكي

183

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

وقال لها أبو بكر لما نزل تحصينها وبراءتها : قومي فقبّلي رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والله لا أفعل ولا أحمد إلَّا الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعها يا أبا بكر . وفي لفظ آخر أنها قالت لأبي بكر : نحمد الله ولا نحمدك ، ولا نحمد صاحبك . فلم ينكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بل سرّه وأمر أباها بالكفّ عنها . وقد جعل الله تعالى من وصف الكافرين أنهم إذا ذكر الله وحده في شيء انقبضت قلوبهم ، وإذا ذكر غيره فرحوا . وجعل من نعتهم أنهم إذا ذكر توحيده وإفراده عند شيء عصوا ذلك وكرهوه ، وإذا أشرك غيره في ذلك صدقوا به فقال تعالى : * ( وإِذا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ من دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) * [ الزمر : 45 ] . وقال أيضا : * ( ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ) * [ غافر : 12 ] . والكفر : التغطية ، * ( وإِنْ يُشْرَكْ به تُؤْمِنُوا ) * [ غافر : 12 ] . والشرك : الخلط ، أن يخلط بذكره ذكر سواه . ثم قال : * ( فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ) * [ غافر : 12 ] . يعني لا يشركه في حكمه خلق ، لأنه العلي في عظمته ، الكبير في سلطانه ، لا شريك له في ملكه وعطائه ولا ظهير له من عباده . ففي دليل هذا الكلام وفهمه من الخطاب أنّ المؤمنين إذا ذكر الله تعالى بالتوحيد والإفراد في الشيء انشرحت صدورهم ، واتسعت قلوبهم ، واستبشروا بذكر الله تعالى وتوحيده ، وإِذا ذكرت الأواسط والأسباب التي دونه كرهوا ذلك واشمأزت قلوبهم ، وهذه علامة صحيحة فأعرفهابك غيرك لنستدلّ بها على حقيقة التوحيد في القلب ، أو وجود خفيّ الشرك في النفس ، إن كنت عارفا . وينبغي أن يجعل صدقته من أجل ما يقدر عليه وأطيبه في نفسه وجهده . فإنّ الله طيّب لا يقبل إلَّا طيبا . وزكاء الصدقة ونماؤها عند الله تعالى على حسب حلَّها ووضعها في الأخص الأفضل من أهلها . وينبغي أن يستصغر ما يعطي . فإن الاستكثار من العجب ، والعجب يحبط الأعمال . قال الله تعالى : * ( ويَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ) * [ التوبة : 25 ] . ويقال : إنّ الطاعة كلما استصغرت كبرت عند الله تعالى ، وإنّ المعصية كلما استعظمت صغرت عند الله تعالى . وعن بعض العلماء : لا يتمّ المعروف إلَّا بثلاث : تصغيره وتعجيله وستره ، وقد كانوا يدفعون في الزكاة المئين ، وفي التطوّع الألوف . وكانوا يصلون الفقير بما يخرجه من حدّ الفقر ، ومن الحاجة والضرّ إلى حدّ الكفاية والغنية ، ويبقى لهم فضل . وعلى هذا تأويل قوله صلى الله عليه وسلم : خير الصدقة ما أبقت غني ، أي تكفي الفقير لوقته ، ويبقى له غنية واستغناء لوقت ثان تستقلّ به عن المسألة والتشرّف ، فيكون كأنه عمل عملا ثانيا للمعطي غير عمله الأول بالعطاء ، وهذا أحد تأويل الخبر . وقد وصف الله تعالى أهل الحاجة بأوصاف خمسة فرقها